الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

232

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

ومن هنا يظهر حال ما ذكره بعض الأعلام تبعا لما يظهر من بعض أكابر المتقدّمين من أنّ إيجاد الصنائع المعجبة كما هو المعروف في العصر الحاضر كالطائرات والسيارات وسائر الآلات العجيبة ليس من مقولة السحر ، ولم يثبت كون سحر سحرة فرعون من هذا القبيل « 1 » . والجواب عنه إنّ الظاهر أنّه لا يقول أحد بكونها سحرا بقول مطلق ، إنّما الكلام إذا لم تكن من سنخ ما نعرفه من الصنائع ، بل كان خارقا للعادة ولو في هذا الزمان ، كما إذا أشار إنسان إلى سراج كهربائي فأطفأه بإشارة اليد ، ثمّ أشعله كذلك ، ولو كان في الواقع نوع صنعة لا نعرفها . أو توصّل بدواع لا نعرفها وأتى ببعض العجائب ، فهذا أيضا داخل في مفهوم السحر ، والظاهر أنّ سحر سحرة فرعون كانوا من هذا القبيل كما حكي في التواريخ والتفاسير ، أعني كان من باب التوسّل ببعض الأدوية كالزيبق وشبهه ، وربّ شيء يكون سحرا في زمان ويخرج عن هذا العنوان في زمان آخر بعد كشف علله على نحو عام ، فلا يصدق عليه عنوان « استناده إلى أسباب خفيّة » كما عرفت . والحاصل أنّ المدار على كون أسبابه خفيّة في ذاك الزمان وكان بقصد التمويه . وكذلك الأخذ بالعيون والشعبدة ونحوهما ، لصدق السحر عليها ، قال تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ « 2 » ( وسيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه ) . وكذلك ما يسمّى ب‍ « انشداد القلب » ( على شيء من الأشياء ) إذا كان منشأ لاستحداث خوارق عادات ولو في حسّ الناظر . وما في كلام بعض الأعلام من أنّه لا وجه لجعله من أقسام السحر - وإنّما هو قسم من الكذب إذا لم يكن له واقع ، على أنّ انشداد القلب لو كان سحرا لكانت الاستمالة بمطلقها سحرا محرّما ، سواء كانت بالأمور الواقعية أم بغيرها « 3 » - ممنوع . لأنّ كونه كذبا لا يمنع عن كونه سحرا ، بعد اشتماله على ما ذكر في تعريفه ، المستفاد من

--> ( 1 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 291 . ( 2 ) . سورة الأعراف ، الآية 116 . ( 3 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 291 .